السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع جداً راق لي نقلته من صحيفة الجزيرة يتحدث عن إمرأة بلغت من الكِبَرِ ما بلغت ,
شاء الله أن يتوافاهآ بعد قرن وبضع سنين , رحمهآ الله واسكنها فسيح جناته ..
إليكم هذه الترجمة عن حياتهآ ..
||||
× المعمَّرة الفاضلة لطيفة بنت علي بن مشاري آل ابن علي(1320-1431هـ)
عمر بن عبدالله بن مشاري المشاري < كاتب الترجمة ..
× كما لسير الفضلاء من الرجال أهمية في التدوين كذلك لتدوين سير الفاضلات من النساء أهمية مماثلةٌ؛ إذ النساء شقائق الرجال، والاهتمام بتوثيق التراجم للمعاصرين حفظٌ لجزءٍ لا يتجزأُ من تأريخنا المعاصر، وبما أنَّ من النساء نساءٌ فضلياتٌ كان لهنَّ دورهنَّ الرائد بين منْ عاش معهنَّ وعرف حالهنَّ أو سمع بأخبارهنَّ، حرصتُ على تدوين هذه الترجمة لهذه المرأة الصالحة المعمَّرة؛ توثيقاً لحياتها والإفادة من
قراءة سيرتها العطرة، ولتكون مثالاً يحتذى به بين النساء والفتيات في الجيل المعاصر، وأنا حينما أكتبُ عنها إنما أكتبُ ما عرفته عنْ قرب، فهي المرأة التي عاصرتْ أجيالاً متتابعة وتغيُّراتٍ اجتماعيَّة متباينة فإليك أيُّها القارئ الكريم الترجمة:-
اسمها: لطيفة بنت علي بن مشاري آل ابن علي، وآل ابن علي منْ أهل بلدة الداخلة في سدير.
والدها: الشيخ علي بن مشاري إمام مسجد آل منديل في قرية العليا، وأخوه الأكبر الشيخ عبدالله بن مشاري إمام وخطيب جامع بلدة الداخلة بسدير في زمنه، وأخوه الثاني هو الشاعر المعروف سليمان بن مشاري (راعي الداخلة).
والدتها: منيرة بنت حسن البابطين، وآل بابطين من أهل بلدة روضة سدير.
ولادتها: ولدت في بلدة الداخلة أو بلدة الروضة بسدير، ولا يُعرف تاريخ ميلادها بالتحديد، وقد سألتها عن تاريخ ميلادها فقالت: لا أعلم، وفي مجلس من المجالس تبيَّن لي بعد سؤالها التاريخ التقديري لميلادها، فهو ما بين 1320-1322هـ، وسأورد القصَّة فيما يأتي من الكلام ضمن هذه الترجمة.
نشأتها: نشأت في كنف والديها في بلدة الداخلة في سدير فأحسنا تربيتها وتعاهداها بالعناية والرعاية، وأصابها من الأمراض في صغرها ما جعلهما يحفران قبرها ثلاث مرات، وسبب ذلك شدة المرض الذي أصابها وهو مظنَّة الوفاة.
أخلاقها: ذاتُ أخلاقٍ فاضلة وصلاحٍ ظاهر، صادقة في حديثها، كريمة بطبعها، وذاتُ قلبٍ سليمٍ من الغلِّ والحقد، تعفو وتصفح عمَّن أخطأ عليها بالقول، لا تذكر أحداً بسوء، حازتْ من الفضائل ما جعلها مضربَ المثل بين أقاربها ومعارفها، وكلُّ منْ عرفها من النساء تمنى لو كان مثلها، مجالسها لا يملُّ حديثها الذي كان يتَّسم بصدق اللهجة والدعابة اليسيرة، تُضفي على مجالسها السرور وتغمره بطيب أخلاقها ونبل كلامها، كانت - رحمها الله - ذات برٍّ بوالديها، دائماً تذكرهما وبالدعاء تقرنهما، طالما حدثتني عنهما وما جرى في طفولتها وشبابها منْ أحداث، كانتْ واصلة لرحمها خصوصاً أخاها لأبيها خالي عبدالرحمن بن علي بن مشاري - رحم الله الجميع - وأختيها لأبيها والدتي وخالتي أم فيصل شفاهما الله، وقد نَظَمتْ أبياتاً كانت تُكثر منْ ترديدها تدلُّ على شوقها لزيارتهم عندما كانت في حفر الباطن.. كما كانت تبكي فرحاً إذا التقت بهم.
أزواجها: زوَّجها والدها بابن عمِّها عبدالكريم بن عبدالله، ولم يدم زواجهما، وانفصلا بعد مدة، ولم تنجب له، وبعد طلاقها منه تزوَّجها شقيق زوجها الأول وهو ابنُ عمِّها الشيخ مشاري بن عبدالله، وأنجبتَ له ابنين ماتا في صغرهما، وبنتاً ماتتْ في مخاضها ببكرها من زوجها الشيخ الراوية أحمد بن عبدالله المنصور، ولم يُكتب للمترجم عنها البقاء مع زوجها الثاني فطلَّقها وتزوَّجها بعده الشيخ عبدالرحمن الجدعان وأنجبتْ له ثلاثة أبناء: محمد وإبراهيم وسليمان، وبقيت معه إلى أنْ توفَّاه الله.
بلدانٌ أقامتْ فيها:
- بلدة الداخلة في سدير حيث نشأت وترعرعت فيها، وعاشت الطفولة وبداية الشباب.
- قرية العليا وكانت مع والدها والجد الشيخ علي بن مشاري، ومن ثم مع زوجها الشيخ عبدالرحمن الجدعان - رحمهم الله-.
- انتقلت مع زوجها ابن جدعان وأبنائها إلى حفر الباطن، وبقيت إلى وفاة زوجها -رحمهم الله-.
- الدرعيَّة بعد أنْ كبر سنُّها أقامت عند ابنها سليمان واستقرَّت معه في منزله إلى أنْ توفَّاها الله في منزله.
سفرها للعلاج: كَفَّ بصرها أواخر شبابها فذهب بها ابنها إبراهيم وسليمان إلى البصرة وبغداد لتلقي العلاج هناك، ولكن لم يُكتب لها الشفاء.
× قصص حدثتني بها:-
كنتُ أحرصُ على سؤالها عنْ قصص السابقين وأخبار الأسرة الماضية، وحفظتُ الكثير مما حدثتني به، وما زلتُ أتذكر الكثير من المجالس التي جمعتني بها:
وبما أنَّ تاريخ ميلادها لا يُعرف بالتحديد فإليكم هذه القصة التي تُبين التاريخ التقديري لميلادها: في أحد المجالس التي جمعتني بها مع جدي لأبي الذي هو ابنُ عمِّها جدي الشيخ مشاري بن سليمان- وقد كتبتُ ترجمة عنه نُشرت في ورَّاق الجزيرة يوم الأحد 7 -4 -1426هـ - وزوجته الصالحة الزاهدة رقيَّة بنت موسى بن عبدالله الموسى من أهل روضة سدير، وهم يتبادلون أطراف الحديث إذا بهم يتكلمون عن الأكبر منهم سنَّاً، فقالت لجدي: أذكر وقت ولادتك حينما بُشِّر عمِّي سليمان بك وأنا واقفة عند بئر المنزل، وكان جدي حينها كبيراً مقعداً فضحك مبتسماً لما قالت، وسألتُها فيما بعد كم كان عمرك حينها؟ قالت: كنتُ أميِّز وأعقلُ من ثمان إلى عشر سنواتٍ تقريباً، وبذلك عرفتُ التقدير لتاريخ ميلادها، إذ إنَّ ميلاد الجد مشاري 1330هـ.
وقد سألها والدي -رحمه الله- عن فاطمة بنت عبدالكريم آل ابن علي التي تزوجها عبدالعزيز بن ناصر الشلفان وأنجبت له أبناءه الأربعة وهم ناصر ومحمد وعبدالله وعمر، فلما مات تزوجها عبدالكريم بن محمد المعجل وأنجبت له ابنيه عبدالرحمن وحمد، وقد كتب عنها والدي مقالاً نُشر بعد وفاته في ورَّاق الجزيرة في العدد رقم (13156) - فقالت: اعرفُها وأدركتها، وكان من شأنها تلمُّس حاجات الفقراء، وإرسال ما يحتاجونه، فلَّما ماتتْ فَقَد المحتاجون ما كان يوضع أمام أبوابهم من صدقات، ولم يخبر عن عملها الخيِّر إلا انقطاع تلك الصدقات عنهم بعد وفاتها وإخبار تلك المرأة التي كانت تضع تلك الصدقات خفية أمام بيوت المحتاجين في آخر الليل.
ومما حدثتني به حديثُها عن مجلس أهلها آل ابن علي في بلدة الداخلة وكيف كان عامراً بأهله وبالضيوف الذين كان يضيق بهم المجلس، خصوصاً بعد صلاة المغرب إلى أذان العشاء؛ إذ كان يحضره وجهاء وأهالي البلد وغيرهم، ويعمره الدرس العلمي الذي كان يقام فيه كل يوم في الوقت ذاته.
ومن القصص التي حدثتني بها -رحمها الله- قصة المسخنة، والمسخنة: إناء على شكلٍ هرمي يوضع فيه الماء الذي تأتي به المرويّة، والمعتاد أنْ توضع المسخنة في الشمس للاستفادة منها في تدفئة الماء، والمروِّية: هي المرأة التي تزوِّد البيوت بالماء بأجرة معيَّنةٌ، فلم يكن ذلك الوقت كوقتنا هذا؛ فالماء الآن ولله الحمد في متناول اليد لا يكاد ينقطع، لكن في ذلك الوقت لم يكن الماء ليصل إلى البيوت إلا عن طريق حمله في أوان أو قِرَب. تقول فلمَّا أحضرت المرويّة الماء، وكانت تلقى مشقة في إحضاره وضعته في المسخنة وقالت لها: لو سكبتِ ماء المسخنة أذبحك، وأشارت إلى نحرها، وكان منها أنْ سكبت ما فيها من ماءٍ بلا تعمُّدٍ، تقول فما كان مني إلا أنْ بحثتُ عن مكانٍ لا تراني فيه المرويّة لئلا تذبحني، فلم يكن أنسب من التنور فدخلتُ فيه متخفية، فلمَّا فقدني أهلي بحثوا عني فلم يجدوني، وأنا أسمع أصوات أهل البيت وأشعر بقلقهم الشديد علي، إذ أنا الابنة الوحيدة لوالدي حينها، فلمَّا يئسوا من العثور علي، وإذ بيد ابن عمي محمد بن عبدالله تمتد إلى التنور فأحسَّ بي وبشَّر والدي وقال لهم أبشروا فقد وجدتها على قيد الحياة في التنور، فأخرجوني وعمَّ الفرح في البيت، وحملتني والدتي وإذا بدموعها تتقاطر علي كالجمر بعد أنْ حملتني وضمتني إلى صدرها وسألتني لم فعلت ما فعلت؟ فقلت: خفتُ أن تذبحني المرويّة.
قصة حثها لزوجها أن يتزوج بامرأة أخرى، حدثتني فقالت: لما كبرت في السنِّ وأحسست بأنَّ زوجي يحتاج إلى زوجة أخرى في ريعان الشباب، طلبتُ من زوجي أنْ يتزوج وتوليت خطبة الفتاة بنفسي فتزوجها، فلمَّا قدم هو وإيَّاها إلى المنزل إذا بي أستقبلهما وقد جهَّزتُ فراشهما وأنا أردد قول الشاعر ترحيباً بهما:
مرحباً بك يوم جيتيوالجمل بك يوم سار
رزقي ورزقك على الله والخسارة علـى.....
وكانت تلك العروس كالبنت لي؛ فصرت أمشط شعرها وأتولى تجميلها، وكان من أمري في الليلة التي تكون من قسْمها أنْ أجهِّز الماء لهما، وفي أيَّام الشتاء أسخنه لهما، فلم يكنْ لدينا سخَّانات ماءٍ حينها، وكانتْ ضرتي تقول لي يا أمي، وأقولُ لها يا ابنتي، نحبُّ بعضاً كما تحبُّ الأم ابنتها والبنت أمَّها. قلت أنا: أي كمالٍ وصلتْ إليه هذه المرأة، وأي أخلاقٍ وعقلٍ حازته، إنها فعلاً من نوادر النساء، فقد سبقتْ بعقلها ورزانتها جلَّ النساء في جيلها وجيل من بعدها.
هرمها: أحسبُ أنَّه خُتِم لها بخيرٍ إذ كان من شأنها بعد ضعف سمعها وصعوبة نطقها كثرة سجودها لله، فما بين الحين والحين وفي زيارتي لها كنتُ أراها تتحسّس بيدها موضع سجودها وتسجد لله تعالى إلى أنْ ماتتْ وهي على هذه الحال، وقد ظهرت علامات حسن الخاتمة عليها؛ إذ من راءها بعد تغسيلها يرى أنها عادت وكأنها في شبابها؛ فالوجه مشرقٌ ممتلئٌ وضَّاءٌ، وكانتْ وفاتها الخميس 5 -7 -1431ه، الساعة الثامنة صباحاً في منزل ابنها سليمان في محافظة الدرعية، وصُلّي عليها بعد صلاة العصر في جامع موضي العثمان في محافظة الدرعية، ودفنت في مقبرة الدرعية، وأنزلها في قبرها ابن أخيها علي بن عبدالرحمن المشاري وحفيدها خليل بن إبراهيم الجدعان، غفر الله لها وأسكنها الفردوس الأعلى في الجنة آمين آمين آمين
||||