الحقيقة أن ما ستقرؤون هو مما راق لي .. وجمعته من عدة محاضرات ومواقع ..
وسببه هو أني وقفت متعجباً ..ولعلكم تقفون معي .. : كيف تركـ هذا الشاب كل هذه الإمتيازات .. اللذيذة .. وأبدلها بغيرها ..مما هو يبدو للناس أقل حظاً .. ..
استمتعـــــــــــــوا ..
***
شابٌ من أكثر شباب قريشٍ رقة ووداعة وثراءً، نشأ منعمًا في ظل والديه، في بيت يزخر بالفاخر من الثياب، والنادر من العطور، زينة فتيان قريش، ودرة مجالسه، تنقلب حياته فجأة، فإذا به يرضى بشظف العيش، ويلبس الجلد الخشن من الثياب!! فما الذي غيره وحوله هذا التحول العظيم؟ بهذا الرضا التام؟؟
***
هذا رجل من أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم-…غرة فتيان قريش ..وأوفرهم جمالا ، وشبابا ..
يصف المؤرخون والرواةشبابه فيقولون:" كان أعطرأهل مكة"..ولد في النعمة، وغذّيّ بها، وشبّ تحت خمائلها.
ولعله لميكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به "مصعب بن عمير"..
ذلكالفتى الريّان، المدلل المنعّّّم، حديث حسان مكة، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها، أيمكنأن يتحوّل الى أسطورة من أساطير الإيمان والفداء..؟
بالله ما أروعه من نبأ.. نبأ "مصعب بن عمير"، أو "مصعب الخير" كما كان لقبه بين المسلمين.
إنه واحد من أولئك الذين صاغهم الإسلام وربّّاهم "محمد" عليه الصلاة والسلام..
هذا الصحابي هو السيد الشهيد السابق البدري القرشي العبدري: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي أحد السابقين إلى الإسلام أسلم قديما والنبي -صلى الله عليه وسلم-في دار الأرقم وكان رضي الله عنه محببا إلى والديه يغدقان عليه بما يشاء من أسباب الراحة والترف والنعيم ولهذا كان من أنعم فتيان مكة وكان فتى مكة شبابا وجمالا وتيها، وكانت أمه غنية كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يذكره ويقول:
ما رأيت بمكة أحسن لِمّة ولا أرق حُلّة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير،.. ولكن هل منع مصعب ما كان فيه من الراحة والنعمة ألا يدخل في الإسلام بعد أن سمع به؟ ..كلا لم يحدث شيء من هذا بل لما سمع بالإسلام دخل فيه مباشرة وكان يعلم أنه سيسلب النعيم الذي هو فيه وسوف يتبدل حاله من العز إلى الذل ومن السعة إلى الضيق، ومن النعيم إلى الجحيم ومن الراحة إلى التعب، ومن الغنى إلى الفقر، ولكنه آثر الآخرة على الدنيا، نعم لم يفعل كما يفعل المترفون اليوم من عدائهم للمتمسكين بهذا الدين والاستهزاء بهم، ولم يقل:إن هذا الدين كبت وجرح للمشاعر ولم يجمع حوله الشباب الضائع المائع المتكسّر البعيد عن الرجولة لينشغل بمغازلة النساء، ولم يقل:أنا شاب الآن عندما أكبر أتوب وأرجع إلى الله كلا لم يفعل ولم يقل شيئا من ذلك الهراء ..
أسلم مصعب فعلمت به أمه وكانت تحبه حبا شديدا فحاولت أن تثنيه عن الإسلام ولسان حالها ومقالها: لا تتشدد يا بني ماذا تريد من هذا الدين أتريد أن تمنع نفسك من الغناء ومن النساء ومن الشهوات إن الدين يبعد عنها ويمنعك منها وأنت تعلم أن الحياة لا تصفوا إلا بهذه الأمور، ولكن مصعبا -رضي الله عنه-يعلم أن ما حرمه الله عليه في الدنيا سوف يجد خيرا منه في الآخرة..
***
ليست هناك مقارنة وليس هناك أي تنازل عند مصعب أمام والدته وليس لديه خيار آخر غير الإسلام فضيقت عليه ومنعته من كل نعيم كان فيه ووصل الحال إلى سجنه وهو مع هذا كله لم يزدَدْ إلا ثباتا ورسوخا ولسان حاله، ماضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي فلن أترك ديني مهما حل بي من ضيق وشدة، ولقد عانى معاناة شديدة وهو يعذب والسبب في ذلك أنه عاش حياة الرفاهية تصوروا عندما تغير به الحال وهو الشاب الناعم الطري الذي نشأ في أحضان النعمة والترف لم يثنه شيء من ذلك عن دينه يقول عنه سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: (وأما مصعب بن عمير فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا، فلما أصابه ما أصابنا من شظف العيش، لم يقو على ذلك، فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي، فنعرض له القسيّ ثم نحمله على عواتقنا) أ.هـ
***
خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما إن بصروا به حتى حنوارؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا..
ذلك أنهم رأوه.. يرتديجلبابا مرقعا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه، حين كانت ثيابه كزهورالحديقة النضرة، وألقا وعطرا..
وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة، شاكرةمحبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال:
" لقد رأيت مصعبا هذا، ومابمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا للهورسوله".!!
وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتىالمتأنق المعطّر، لا يرى إلا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يوما، ويجوع أياما، ولكنروحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور الله، كانت قد جعلت منه إنسانا آخريملأ الأعين جلال والأنفس روعة...
* استشهد يوم أحد على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة وهو بن أربعين سنة أو يزيد شيئا..
**عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتى بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه وأراه قال وقتل حمزة وهو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام..
وبعد.. :
اللهم إنا نسألكـ الأنس بقربكـ..ـ ..