
يمشي الفقير وكل شيء ضده
والناس تغلق دونه أبوابها
وتراه مبغوضاً وليس بمذنب
ويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروت
خضعت لديه وحركت أذيالها
وإذا رأت يوماً فقيرا عابرا
نبحت عليه وكشرت أنيابها
مسكين ذالك الفقير ,,, يولد محروم ,,, ويموت محروم ,,, ولا يجد إلا الحرمان..
كم عاندته الدنيا حتى صار كالعود المكسور ...
كم وقف قابض اليدين ,,, مطأطئ الرأس ,,, عند عتبة الشارع ,,, ينتظر ملك الموت يعصف بروحة الطاهرة النديّة ..
يُصبح كل صباح ,,, يأمل أن يجد لذاته مكان في الحياة ,,, ولكن لا حياة !
يتذكر تلك الأيام الخاليات ,,, وأنه لم يصل حتى مستوى نقطة الصفر لكي يبدأ !
أصبحت الحياة عنده أشبة بمغامرة هو ضحيةٌ فيها ..
كل يوم يطرق بابه الدًّيّانة ,,, لم يُرِد ذالك فهو (( إن لم يقترض مات )) ؟
يحلم بزهد العيش ولكن الحياة قاسية ..
تعلم من حياته أن المال يولّد المال ,, والفقر يولّد الفقر ..
ذات يومٍ من الأيام أراد أن يتسكع في شوارع المدينة ,,, إنها المدينة !! التي وُعِد بها الفاسقون بأكبر جرعة من المناقصات المالية ,, يتقاسمها أصحاب المؤسسات الخائنة و الشركات الربويّة ,,, بين ذاك وذاك كلاب صغيره يتجمعون ليأكلوا قطع من اللحم الفاسد التي يرميها لهم كبار المسئولين حتى لا يجوعوا فيأتوا إليهم مسرعين !!
وبينما هو كذالك وقعتْ عينه على إعلان بجملته ( تقدم أيها الشاب السعودي فنحن من نتبناّك ,,, فقط عليك الفكرة و العمل ,,, وعلينا المال ,, فهدفنا شباب بدون عطاله وشعبٌ بدو فقر )
لعل روحه تنفست الصعداء ,,, ولعله قرر أن يفر من هذا الفقر بلا رجعة ,,,
تقدم خطوة إلى الأمام ,,, فكر ثم قدر ,, فقتل كيف قدر ,,, ثم تقدم إلى هذا المقر,,, نفّذ كل ما يردون من شروط ,, وأصبح يردد ( واثقة الخطوة يمشى ملكا ) !
بعد مدة طويلة من الانتظار ...
ألو : السلام عليكم
الفقير : وعليكم السلام ورحمة الله
المقر : أنت فقير بن فقير الذي قدّمت علينا قبل سنه ؟
الفقير : نعم هو أنا ..
المقر : لو سمحت كم رقم الطلب ؟
الفقير : أبشر طال عمرك هو كذا ....
المقر : يا ليت تراجعنا بكره عشان نعطيك المبلغ ...
الفقير : والله ! أبشر طال عمرك ..
لم ينَمْ ذالك الفقير تلك الليلة ,, لأنه يُوشك أن يودع نهاية الفقر ويصبح إنسان له حقوق مثل الذين يعشون حوله في مملكة الوفاء !
ذهب مسرعاً لهم ,,, وهو يرسم في مخيلته الكثير من الأعمال
ويقول : أول ما يجيني فلوس أبي أعطي أمي تصلح البيت ,,
وأعطي خالتي اللي طلقها زوجها وعندها بنتين ,,
وبعطي جدتي فلوس الإبرة اللي تبى تاخذها عشان المرض ,,
وأبي أتزوج وأشوف عيالي ,,
و أبي أساعد أختي اللي عايشه في بيت أجار خمس عشر سنة ,,
وأبي أعطي الهندي اللي أمة و أبوة ماتوا قبل يومين ,,
وأبي احتضن ولد أخي اللي تشرد في الشارع بعد ما مات أبوه ,,,
وأبي وأبي .........
(( أنقطع مسلسل الأمنيات عند مدخل الباب ))
وإذا برجل الأمن واقف أمامه ,, ويقول له : وش بغيت ؟
الفقير : اتصلوا عليّ المقر يقولون تعال ؟
رجل الأمن : أصبر شوي ..
أنتظر الفقير ثلاث ساعات واقف على قدميه ينتظره ,,, حتى ينتهي موظف المقر أن يشرب القهوة ويقرأ الجريدة !!
رجل الأمن : ما هو أسمك ؟
الفقير : أنا فقير بن فقير
رجل الأمن : طيب رح طوالي عند ثالث مكتب على اليسار ادخل فيه هو متواجد الآن هناك ...
الفقير : ابشر ابشر .
ذهب الفقير وكأنه يُساق إلى باب الجنّة ,,,
الفقير : السلام عليكم
المقر : هلا تفضل !
الفقير : اتصلتوا عليّ
المقر : ادري ادري
الفقير : إن شاء الله خير ؟
المقر : اسمع أنا بقولك من الآخر ! فكرة المشروع جميلة جدا وحتى الدراسة اللي أرسلتها دقيقة بالحيل ,, ولكن ؟
الفقير : خير خير إن شاء الله !!
المقر : تصبّر شوي ,,, بصراحة معاملتك تجمدت عند التأمينات ,,, والسبب لا أعلمه ,, لكن ممكن تصبر ثلاث سنوات يمكن يتصلون عليك إذا جاك الدور !!
الفقير : أف ثلاث سنوات انتظر عشان يتصلون عليّ ! طيب ما فيه حل ثاني ؟
المقر : لا والله ,, ما أنصحك لأن المعاملة اللي تصير عند التأمينات يصير الأمل فيها مفقود !
الفقير : طيب كيف !! اللي كانوا معي في المقابلة عطيتوهم وأنا ما جاني شيء ؟
المقر : والله أنا موظف هنا ما لي صلاحيات إلا المقابلة فقط ! بس يمكن هم يراجعونها من باب ثاني ؟!
الفقير : كيف باب ثاني أنا أروح لمّه مثلهم ؟
المقر : ( بعد الضحكة طبعاً ) ما اعتقد !! لأن اللي يعطونهم فلوس بسرعة يصير أحد يقربه في المقر أو عنده واسطة ؟!
خرج الفقير مغاضباً مسرعاً إلى الطريق الذي جاء منه ,,, ولسان حاله يقول : إن
(( كان عندك يا زمان بقية – مما يُهان بها الفقير فهاتها ))
وهو في الطريق اتصل عليه أحد أفراد الأسرة وقال له : أبوك يطلبك الحل
( يعني مات ) !!
أصفر وجهه ,, وأزداد نبضة ,, وذهب ليكمل مراسم الحزن على والدة المتوفى .
كان ذالك الفقير يذكر السنة الأول التي درس فيها ,,, لأن أحد المدرسين صفعه على خدّه وقال : قم يا وجه الفقر غسل وجهك ..
وكان يذكر أن أحد الدعاة على أبواب جهنّم في التلفاز يقول : لا بد من وضع فوارق بين طبقات المجتمع ,,, فكيف يدرس الفقير مع الغني ؟
تذكر تلك المعاملات التي عايناها في ربوع بلادي المسلم !!
تذكر المَشَاهِد في مسابقة ( أجمل حيوان آسف أجمل ناقة ) ؟
تذكر أنواع المأكولات تُرمى وتُبذر وقت مسابقة أجمل حيوان ,, وكأنها جبال شاهقات !!
تذكر أبناء المواطنين وكيف يتسابقون بشراء أحدث مركبة لطِّفل المدلل ,, حتى تعلم أن نظافة الكفرات أهم بكثير من نظافة بدنه !!
تذكر الجمعيات الخيرية التي تحمل مسمى جميل ولكن أبى من فيها حتى تكون دخلاً إضافي لَهُ ولأقاربه !!
{ إلا من رحم ربي }
تذكر ذالك اليوم عندما جاء رجلاٌ من أقصى المدينة يوزع جزأ من مال بيت المسلمين على فقراء مدينتي ,, حينها أُغلقت الأبواب في وجوه الفقراء وكان أغنياء المدينة هم من تقاسموا ذالك المال فجزآهم الله النار ..
تذكر أصحاب الأعمال الحرة ,, وكيف ينخرون في بلد حُرة ..
تذكر أن بناء البيت للمواطن الفقير في مملكة الوفاء يساوي ثلاثين سنة ,,,
بينما يكون الأمر دقيقة للغني !
تذكر أن القسيمة المرورية التي أخذها ذالك اليوم ,,, لأنه تجاوز السرعة القانونية بقليل وهو يريد أن يتدارك دفن والدة ,,, كانت مضاعفة مرتين إذا لم تسدد خلال شهر !
ويُستثني هذا القانون على أصحاب الشخصيات المُهمة ومن عنده فلوس كثير ومن كان له صلت رحم في المرور ؟؟
تذكر نظام التوظيف في المملكة السعودية ,,, لأن صاحب المال بإمكانه أن يشْغَل أكثر من أربع وظائف في وقت واحد ؟؟ (( طيب متى يشبع ؟ ))
تذكر أنك عندما تتخصص في مجال ما وأنت فقير لا يمكن ؟ لأنك ما تعرف أي شيء !
تذكر و تذكر .....
وكان لقاء من نوع آخر مع ذالك الفقير ... في مملكة الحب والوفاء !
شكرا لكم .